قال معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن الضربات التي وجهتها إيران ضد أهداف نفطية ينبغي أن تواجه بالتصعيد من جانب الولايات المتحدة، لإجبارها على التوقف عن مهاجمتها. 

 

وعلى الرغم من القصف الإيراني المتواصل على أهداف أمريكية في دول الخليج، إلا ان التقرير رأى أن دفاعات تلك الدول أظهرت فعالية كبيرة في ظل الهجمات الإيرانية المتواصلة، مما يُبرز عمق القدرات التي بُنيت من خلال التعاون الأمني الوثيق بين الولايات المتحدة ودول الخليج. 

 

وأفادت الإمارات العربية المتحدة بنسبة اعتراض بلغت 94% للطائرات المسيّرة و92% للصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، على الرغم من كونها الدولة التي تلقت معظم نيران إيران حتى الآن. 

 

كما أفادت البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية باعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وزعمت الدوحة أيضًا إسقاط طائرتين مقاتلتين إيرانيتين من طراز سو-24 فوق مجالها الجوي. 

 

الاستثمار الأمريكي

 

وبحسب التحليلل، فإن الاستثمار الأمريكي يؤتي ثماره من حيث التكامل والتوافق التشغيلي لشبكات الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات، والتدريب المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي. 

 

وتمكنت القوات من رصد التهديدات مبكرًا ومنعها من الوصول إلى أهدافها. وعلى الرغم من أن بعض المقذوفات قد أفلتت من الدفاعات، إلا أن معظم الأضرار التي رُصدت حتى الآن - لا سيما في دول الخليج - يبدو أنها ناجمة عن الحطام الناتج عن عمليات الاعتراض. 

 

مع ذلك، اعتبر أن مدى قدرة الدول على الحفاظ على هذه الدفاعات يبقى غير مؤكد، نظرًا لارتفاع تكلفة الصواريخ الاعتراضية ومحدودية الوصول إلى مخزونات إضافية حتى قبل الحرب. 

 

ووفقًا لمحادثات أجراها معد التقرير مع مسؤولين، فقد طلبت الإمارات العربية المتحدة وقطر بالفعل من الولايات المتحدة المساعدة في تجديد إمداداتهما. في المقابل، تعتمد إيران على طائرات مسيرة وصواريخ رخيصة نسبيًا، مما يخلق اختلالًا طويل الأمد في تكاليف كل طرف. 

 

وقال معهد واشنطن إنه يتعين على الحكومات العربية أيضًا التعامل مع آثار استمرار الهجمات الإيرانية على شعوبها. وإذا ما اقترن ذلك بمشاكل إمدادات الذخيرة، فقد يدفعها هذا القلق إلى استنتاج أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، ما يدفعها إلى التفكير في تعزيز مشاركتها في الحرب و/أو توسيع نطاق دعمها للعمليات الأمريكية. 

 

ومهما كان قرار هذه الدول الخليجية، فقد رصد التقرير تسابق القوات الأمريكية والإسرائيلية حاليًا لتقويض قدرات إيران الصاروخية والمسيرة بوتيرة أسرع من قدرتها على التجدد، أملاً في تجنب التكاليف الباهظة والخسائر الفادحة.

 

الهجمات على النفط

 

وبحسب التقرير، فقد اقتصرت حتى الآن هجمات إيران المحدودة نسبيًا على أهداف نفطية في الخليج على استهداف ناقلات نفط في عرض البحر (قرب عُمان)، وفي ميناء (في البحرين)، وأثناء عبورها مضيق هرمز؛ وهجمات بطائرات مسيّرة (بشكل منفرد أو مزدوج) على مصفاة رأس تنورة السعودية، ومدينتي مسيعيد ورأس لفان الصناعيتين في قطر ؛ ومحاولة استهداف مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت. 

 

وأوضح أن هذه الحوادث تُعدّ جزءًا من استراتيجية إيران الحربية الأوسع نطاقاً، والتي تقوم على ممارسة ضغط متدرج، وترشيد الموارد تحسبًا لصراع طويل الأمد، وزعزعة استقرار أسواق النفط، وحشد المعارضة للحرب في الولايات المتحدة ودول أخرى. كما يُشير النظام إلى قدرته على فرض تكاليف باهظة في حال استهداف بنيته التحتية النفطية. 

 

وكان لهذه العمليات الصغيرة آثارٌ بالغة الأهمية، مع بقائها محدودة بما يكفي للحد من احتمالية التصعيد، كما يستنتج التقرير. فقد أدت إلى ابتعاد العديد من السفن التجارية المتجهة إلى مضيق هرمز، ما أدى فعلياً إلى إغلاق الممر المائي. كما دفعت بعض شركات إنتاج النفط والغاز (بما فيها قطر للطاقة) إلى وقف عمليات الإنتاج والتصدير كإجراء احترازي. 

 

ولمواجهة هذه الاستراتيجية وردع المزيد من التصعيد، ينبغي على واشنطن وشركائها تحذير طهران من أنه في حال استمرار الهجمات على أهداف النفط الإقليمية: 

 

وتوقع في هذا السياق، أن سترفع دول الخليج التي رفضت منح الطائرات العسكرية الأمريكية امتيازات التمركز أو التحليق فوق أراضيها تلك القيود، بل وقد تنضم بعضها إلى الحملة الجوية ضد إيران.

 

وستقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بفرض حصار بعيد على صادرات النفط الإيرانية عند نقاط الاختناق الموجودة في أي مكان من خليج عمان (باستخدام أصول القيادة المركزية الأمريكية) إلى مضيق ملقا (باستخدام أصول قيادة المحيطين الهندي والهادئ) وما وراء ذلك.

 

وسترد الولايات المتحدة وشركاؤها في الخليج بالمثل من خلال مهاجمة قطاع النفط الإيراني، الأمر الذي من شأنه أن يلحق المزيد من الضرر باقتصاد البلاد وربما يزعزع استقرار النظام، بحسب التقرير. 

 

وفي حال فشل هذه الإجراءات، فإن الولايات المتحدة وشركاءها سيجعلون من الهجمات النفطية الإيرانية المحدودة استراتيجية مجانية، مع فوائد كبيرة لأهداف النظام الحربية. 

 

الآثار المحتملة لاضطرابات الشحن طويلة الأمد

 

يصف التقرير قطاعي الشحن والطاقة بأنهما في صميم التصعيد الحالي في الشرق الأوسط. وقد تعرّضت حركة الشحن في مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 30% من تجارة النفط الخام المنقولة بحراً في العالم، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، لاضطرابات شديدة. 

 

وقد رُكنت العديد من السفن التجارية خارج المضيق، حيث فضّلت الشركات المشغلة والتجارية تجنّب عبوره، وهو نهج يُعزى إلى مخاطر الملاحة في زمن الحرب، فضلاً عن تكاليف التأمين الإضافية. وعلى الرغم من أن المضيق ليس مغلقًا رسميًا، إلا أن عدد السفن التي تعبره حالياً قليل جداً، بما فيها السفن الإيرانية.

 

وتوقع التقرير أن سيؤدي انقطاع الشحن البحري لفترة أطول في زمن الحرب إلى تعطيل تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، مما سيؤثر على المستوردين الذين يعتمدون بشكل كبير على الشرق الأوسط في مجال الطاقة. ورغم أن بعض مستوردي النفط الخام يمكنهم الاعتماد على مخزوناتهم لتعويض بعض الكميات المفقودة من الخليج، إلا أن هذا النهج ليس حلاً طويل الأمد. 

 

فعلى سبيل المثال، تشير بيانات شركة كيبلر إلى أن أكثر من 38% من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحراً مصدرها الشرق الأوسط. وتعتمد اليابان أيضاً على كميات كبيرة من النفط الخام من المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية. أما أوروبا، فستشعر بتأثير انقطاع الشحن لفترة أطول بطريقة مختلفة، إذ أن حوالي 45% من وقود طائراتها مصدره الشرق الأوسط، وفقاً لشركة كيبلر.

 

كما إن استمرار الاضطرابات سيضر بشدة بمصدري الخليج أيضًا. فعلى سبيل المثال، يأتي 90% من ميزانية العراق من عائدات النفط، لذا سيواجه صعوبة في التعامل مع الضغط المالي الإضافي. 

 

وستعتمد شدة الاضطراب على مدة استمرار التصعيد، وما إذا كانت إيران ستُقرر تكثيف ضرباتها ضد البنية التحتية الحيوية للطاقة وزيادة تهديداتها للملاحة البحرية. وسيتأثر هذا القرار جزئيًا بمصالح النظام الإيراني في مجال الطاقة وحساباته. 

 

وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن إيران تمتلك نحو 200 مليون برميل من النفط "العائم" - أي النفط الذي لا يزال في طور النقل أو مُخزّنًا على ناقلات في عرض البحر. وقد تزايدت هذه الكميات بشكل ملحوظ، ويعود ذلك جزئيًا إلى تباطؤ الطلب في الصين. وإذا لم تتمكن إيران من تصدير النفط عبر مضيق هرمز خلال الحرب، فلديها كميات كبيرة مُخزّنة خارج منطقة الخليج يُمكن تفريغها - مع العلم أن الطلب سيُحدد الكمية والسعر. 

 

ردود الفعل السياسية والعسكرية في الخليج

 

قبل الحرب، بل وأكثر من ذلك الآن، رصد التقرير القلق بين قادة الخليج من سيناريو كارثي: صراع أمريكي إسرائيلي مفتوح مع إيران، بأهداف غير واضحة، ووضعهم في مواجهة مباشرة. إلا أن أي إحباط شعروا به إزاء لجوء واشنطن إلى الحرب في ظل استمرار المفاوضات الدبلوماسية، بات الآن يتضاءل أمام غضبهم من الهجمات الإيرانية الانتقامية. 

 

كان من المتوقع توجيه ضربات ضد مواقع عسكرية أمريكية على أراضيهم، لكن الضربات الإيرانية الفورية ضد أهداف مدنية في دبي والبحرين، وضد البنية التحتية للطاقة في الكويت وقطر والسعودية، تُنذر بجر هذه الدول إلى حرب سعت جاهدة لتجنبها . 

 

ويعني هذا، في الوقت الراهن، أن معظم هذه الدول قد تقاربت أكثر مع واشنطن، التي تدعم دفاعها. ففي الأول من مارس، انضمت خمس دول من مجلس التعاون الخليجي إلى الأردن والولايات المتحدة في بيان مشترك يدين الهجمات الإيرانية ويؤكد حقها في الدفاع عن النفس. 

 

كما ساهمت هجمات طهران مؤقتًا في التغطية على الخلاف بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللذين تحدث زعيماهما هاتفيًا بعد اندلاع الحرب بفترة وجيزة. وعلى الرغم من غياب عُمان الملحوظ عن البيان المشترك، إلا أن بيانًا منفصلًا صادرًا عن مجلس التعاون الخليجي يدين الهجمات الإيرانية، أشار إلى وحدة الخليج (مؤقتًا)، وأشاد بمسقط لدعمها استمرار الحوار وخلق منافذ محتملة للخروج من الصراع. 

 

ففي الأول من مارس، على سبيل المثال، حث وزير الخارجية بدر بن حمد البوسعيدي على العودة إلى المحادثات، مصرحًا بأن " باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا ".

 

ولا يزال من غير الواضح في الوقت الراهن ما إذا كانت دول الخليج سترد على هجمات إيران، ومتى، وكيف. وتدرس بعض الدول الخليجية الشريكة للولايات المتحدة خيارات لحماية سكانها من الهجمات تتجاوز الدفاع الجوي. 

وعندما تتخذ هذه الدول قراراتها، ينبغي على واشنطن أن تكون مستعدة لدعم خياراتها والتنسيق معها بشأن ردودها على التهديدات المباشرة وتلك التي قد تظهر لاحقًا.

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/war-comes-gulf